عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
295
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ » قيل : الأتباع والرؤساء يتساءلون متخاصمون . وقيل : هم والشياطين يقولون إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين أي من قبل الدين فتضلوننا عنه . قاله الضحاك ، وقال مجاهد : من الصراط الحق واليمين عبارة عن الدّين والحق كما أخبر اللّه عن إبليس : ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [ الأعراف : 17 ] فمن « 1 » أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فليس عليه الحق « 2 » ، واليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات لأن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر إجماعا ، ولا تباشر الأعمال الشريفة إلا باليمين ويتفاءلون بالجانب الأيمن ويسمونه البارح « 3 » وكان - عليه ( الصلاة و ) السلام - يحب التيامن في شأنه كله وكاتب الحسنات من الملائكة على اليمين ووعد اللّه المحسن أن يعطيه الكتاب باليمين . وقيل : إن الرؤساء كانوا يحلفون للمستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم ، وقيل : عن اليمين أي عن القوة والقدرة كقوله : لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [ الحاقة : 45 ] . قوله : « عَنِ الْيَمِينِ » حال من فاعل : « تأتوننا » . واليمين إما الجارحة عبّر بها عن القوة وإما الحلف لأن المتعاقدين بالحلف يمسح كل منهما يمين الآخر فالتقدير على الأول وتأتوننا أقوياء وعلى الثاني مقسمين حالفين « 4 » . قوله : « بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ » وهذا جواب الرؤساء للأتباع أي ما كنتم موصوفين بالإيمان حتى يقال : إنا أزلناكم عنه وإنما الكفر من قبلكم « وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ » من قوة وقدرة حتى نقهركم ونجبركم « بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ » ضالين « فَحَقَّ عَلَيْنا » « 5 » وجب علينا جميعا « قَوْلُ رَبِّنا » يعني كلمة العذاب وهو قوله : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ هود : 119 ] . قوله : « إنا لذائقوا العذاب » الظاهر أنه من إخبار الكفرة المتبوعين أو الجن بأنهم ذائقون العذاب . ولا عدول في هذا الكلام « 6 » . وقال الزمخشري : ولزمنا قول ربنا إنا لذائقون يعني وعيد اللّه بأنا لذائقون لعذابه لا محالة ولو حكى الوعيد كما هو لقال إنكم
--> ( 1 ) المرجعان السابقان . ( 2 ) المرجع السابق . ( 3 ) قال ابن منظور في اللسان : والبارح ما مر من الطير والوحش من يمينك إلى يسارك والعرب تتطير به لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف والسّانح : ما مر بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك والعرب تتيمن به لأنه أمكن للرمي والصيد . وفي المثل : « من لي بالسّانح بعد البارح » . انظر : اللسان برح 246 . ( 4 ) البحر 7 / 357 والسمين 4 / 545 . ( 5 ) البغوي 6 / 21 . ( 6 ) البحر والدر المرجعان السابقان .